فخر الدين الرازي
171
تفسير الرازي
وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ) * أما قوله تعالى : * ( خلق الإنسان من عجل ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : في المراد من الإنسان قولان : أحدهما : أنه النوع ، والثاني : أنه شخص معين . أما القول الأول فتقريره أنهم كانوا يستعجلون عذاب الله تعالى وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار : * ( ويقولون متى هذا الوعد ) * ( الملك : 25 ) فأراد زجرهم عن ذلك ، فقدم أولاً ذم الإنسان على إفراط العجلة ثم نهاهم وزجرهم كأنه قال : لا يبعد منكم أن تستعجلوا فإنكم مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسجيتكم ، فإن قيل : مقدمة الكلام لا بد وأن تكون مناسبة للكلام ، وكون الإنسان مخلوقاً من العجل يناسب كونه معذوراً فيه فلم رتب على هذه المقدمة قوله : * ( فلا تستعجلون ) * قلنا : لأن العائق كلما كان أشد ، كانت القدرة عليه مخالفته أكمل ، فكأنه سبحانه نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة شريفة عالية مرغوب فيها . أما القول الثاني : وهو أن المراد شخص معين فهذا فيه وجهان : أحدهما : أن المراد آدم عليه السلام ، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك ، وروى ابن جريج وليث بن أبي سليم عن مجاهد قال : خلق الله آدم عليه السلام بعد كل شيء من آخر نهار الجمعة ، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ أسفله ، قال : يا رب استعجل خلقي قبل غروب الشمس ، قال ليث : فذلك قوله تعالى : * ( خلق الإنسان من عجل ) * وعن السدي لما نفخ فيه الروح فدخل في رأسه عطس ، فقالت له الملائكة : قل الحمد لله ، فقال ذلك : فقال الله له : يرحمك ربك . فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، ولما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام ، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه إلى ثمار الجنة . وهذا هو الذي أورث أولاده العجلة . وثانيهما : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء : نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث والمراد بالإنسان هو ، واعلم أن القول الأول أولى لأن الغرض ذم القوم ، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا لفظ الإنسان على النوع . المسألة الثانية : من المفسرين من أجرى هذه الآية على ظاهرها ومنهم من قلبها ، أما الأولون فلهم فيها أقوال : أحدها : قول المحققين وهو أن قوله : * ( خلق الإنسان من عجل ) * أي خلق